ابن قتيبة الدينوري
34
تأويل مشكل القرآن
وكل ما في القرآن من تقديم أو تأخير ، أو زيادة أو نقصان - فعلى مثل هذه السبيل . فإن قال قائل : فهل يجوز لنا أن نقرأ بجميع هذه الوجوه ؟ . قيل له : كل ما كان منها موافقا لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه - جاز لنا أن نقرأ به . وليس لنا ذلك فيما خالفه ، لأن المتقدمين من الصحابة والتابعين ، قرءوا بلغاتهم ، وجروا على عادتهم ، وخلّوا أنفسهم وسوم طبائعهم ، فكان ذلك جائزا لهم ، ولقوم من القرّاء بعدهم مأمونين على التنزيل ، عارفين بالتأويل ، فأما نحن معشر المتكلفين ، فقد جمعنا اللّه بحسن اختيار السلف لنا على مصحف هو آخر العرض ، وليس لنا أن نعدوه ، كما كان لهم أن يفسّروه ، وليس لنا أن نفسّره . ولو جاز لنا أن نقرأه بخلاف ما ثبت في مصحفنا ، لجاز أن نكتبه على الاختلاف والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير ، وهناك يقع ما كرهه لنا الأئمة الموفّقون ، رحمة اللّه عليهم . وأما نقصان مصحف عبد اللّه بحذفه ( أمّ الكتاب ) و ( المعوّذتين ) ، وزيادة أبيّ بسورتي القنوت - فإنا لا نقول : إن عبد اللّه وو أبيّا أصابا وأخطأ المهاجرون والأنصار ، ولكنّ ( عبد اللّه ) ذهب فيما يرى أهل النظر إلى أن ( المعوذتين ) كانتا كالعوذة والرّقية وغيرها ، وكان يرى رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، يعوّذ بهما الحسن والحسين وغيرهما « 1 » ، كما كان يعوّذ بأعوذ بكلمات اللّه التّامة « 2 » ، وغير ذلك ، فظنّ أنهما ليستا من القرآن ، وأقام على ظنّه ومخالفة الصحابة جميعا كما أقام على التّطبيق . وأقام غيره على الفتيا بالمتعة ، والصّرف ورأى آخر أكل البرد وهو صائم . ورأى آخر أكل السّحور بعد طلوع الفجر الثاني . في أشباه لهذا كثيرة . وإلى نحو هذا ذهب أبيّ في ( دعاء القنوت ) ، لأنه رأى رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، يدعو به
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب 10 ، وأبو داود في السنة باب 20 ، والترمذي في الطب باب 18 ، وابن ماجة في الطب باب 36 ، وأحمد في المسند 1 / 270 . ( 2 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب 10 ، ومسلم في الذكر حديث 54 ، 55 ، وأبو داود في الطب باب 19 ، والترمذي في الدعوات باب 40 ، 90 ، 112 ، وابن ماجة في الطب باب 35 ، 36 ، والدارمي في الاستئذان باب 48 ، ومالك في الشعر حديث 11 ، والاستئذان باب 34 ، وأحمد في المسند 2 / 181 ، 290 ، 375 ، 3 / 419 ، 448 ، 4 / 57 ، 5 / 430 ، 6 / 6 ، 377 ، 378 ، 409 .